ابن قتيبة الدينوري
68
تأويل مشكل القرآن
وأصل ( التّشابه ) : أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر ، والمعنيان مختلفان . قال اللّه جل وعزّ في وصف ثمر الجنة : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] ، أي متّفق المناظر ، مختلف الطّعوم . وقال : تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [ البقرة : 118 ] أي يشبه بعضها بعضا في الكفر والقسوة . ومنه يقال : اشتبه عليّ الأمر ، إذا أشبه غيره فلم تكد تفرّق بينهما ، وشبّهت عليّ : إذا لبّست الحقّ بالباطل ، ومنه قيل لأصحاب المخاريق أصحاب الشّبه ، لأنهم يشبّهون الباطل بالحق . ثم قد يقال لكلّ ما غمض ودقّ متشابه ، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشّبه بغيره ، ألا ترى أنه قد قيل للحروف المقطّعة في أوائل السّور : متشابه ، وليس الشك فيها ، والوقوف عندها لمشاكلتها غيرها ، والتباسها بها . ومثل المتشابه ( المشكل ) . وسمي مشكلا : لأنه أشكل ، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله . ثم قد يقال لما غمض - وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة - : مشكل . وقد بيّنت ما غمض من معناه لالتباسه بغيره ، واستتار المعاني المختلفة تحت لفظه ، وتفسير ( المشكل ) الذي ادّعي على القرآن فساد النّظم فيه . وقدّمت قبل ذلك ( أبواب المجاز ) : إذ كان أكثر غلط المتأوّلين من جهته . وأرجو أن يكون في ذلك ما شفي مرض القلوب ، وهدى من الحيرة ، إن شاء اللّه .